الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

221

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

كما إذا اشتبه الدرهم الحلال بالحرام فإنه يتوقف العلم بالاجتناب عن الحرام على التجنب عن جميع ما وقع فيه الاشتباه فيجب الاجتناب عن الكل ذهب جماعة إلى عدم وجوب التجنب نظرا إلى بعض الأخبار الدالة على عدم وجوب الاجتناب عن الحرام إلا مع العلم به بعينه دون المشتبه فلا يجب ترك الحرام مطلقا حتى يجب مقدمة العلم به وهو ضعيف كما يجيء تفصيل القول فيه في محله إن شاء الله ثم إن الظاهر ما اختاره الجماعة من عدم وجوب التجنب إلا عن الحرام المعلوم إنما هو بالنسبة إلى الماليات ونحوها وأما بالنظر إلى الإقدام على سائر المحرمات كما إذا اشتبه الكافر بالمسلم ومن يحل سببه بمن لا يحل ومن يحل وطيه بمن يحرم واشتبه الخمر بغيره أو السم بغيره ونحو ذلك فإن المطلوب أن أحدا لا يقول بجواز الإقدام وتوقف التحريم على العلم فيحكم في الأمثلة المذكورة بحل القتل والأسر والوطي والشرب والأكل بمجرد الشبهة الحاصلة كيف وربما يعد المنع من ذلك من الضروريات الواضحة المستغنية عن تحشم ذكر الأدلة هذا وقد علم مما ذكرنا حرمة السبب المفضي إلى الحرام لتوقف ترك الحرام على تركه بل لا يبعد القول بتحريمه ولو على القول بعدم وجوب المقدمة الشرطية نظرا إلى كونه في حكم المقدمة السببية فكما يجب الأسباب المفضية إلى فعل الواجب كذا يحرم السبب المقضي إلى الحرام كما سيشير إليه المصنف بل قد يقال بتحريمه ولو مع عدم القول بوجوب المقدمة مطلقا لاستفادة ذلك من تتبع موارد الشرع وأما سائر مقدمات الحرام فلا وجه للقول بتحريمها لعدم استلزامها لحصول الحرام وعدم كونها معتبرة في ترك الحرام ليتوقف تركه على تركها إلا أن تكون جزءا أخيرا للعلة التامة فتحريم لما عرفت ولا يبعد إدراجها إذن في الأسباب نعم لو قصد بفعل المقدمة التوصل إلى الحرام كان محرما لقيام الدليل على تحريم الأفعال التي يقصد بها المحرمات وهو حينئذ حرام نفسي فلا ربط له بالمقام ولا فرق إذا بين ما حصل التوصل بها إلى الحرام أو لا سابعها [ في تحقيق الحال فيما يتوقف أداء الواجب به . ] قد يتخيل أن المقدمة إذا كانت فعل أمور يكون الإتيان بالواجب حاصلا في ضمنها كالصلاة إلى الجوانب الأربع والصلاة في الثوبين المشتبهين كانت واجبة على القولين قال في الوافية وكأنه لا خلاف في وجوبه لأنه عين الإتيان بالواجب بل هو منصوص في بعض الموارد كالصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة والصلاة في كل الثوبين المشتبهين عند اشتباه الطاهر بالنجس وغير ذلك انتهى ويرد عليه أنه إن قيل بكون الأفعال المتعددة مقدمة بالنسبة إلى نفس الواجب فهو بين الفساد لوضوح عدم الحاجة في وجوده إلى التكرار وإن أريد كون ذلك مقدمة للعلم بأداء الواجب فإنه كما يجب الإتيان بالفعل يجب العلم بتفريغ الذمة أيضا فيكون التكرار واجبا لتوقف وجود العلم الواجب عليه فدعوى كون الواجب حاصلا في ضمن المقدمة غير ظاهرة فإن الواجب الذي يكون التكرار مقدمة بالنسبة إليه هو العلم بأداء الواجب وهو غير حاصل في ضمنها وأداء أصل الواجب الحاصل في ضمنها ليس مما يتوقف حصوله على التكرار قطعا فليس ذلك مقدمة بالنسبة إليه وحيث كان التكرار المفروض مقدمة بالنسبة إلى وجود العلم الواجب كان الحال فيه كسائر المقدمات من غير فرق نعم يندرج ذلك في المقدمة السببية لكون التكرار سببا لحصول العلم فالحال فيه كسائر أسباب الواجبات ودلالة النص على وجوب التكرار في بعض الموارد لا يفيد شيئا في المقام كورود النص بوجوب غيره من المقدمات كوجوب الوضوء والغسل للصلاة ويدفعه أنه لا شك في إتيانه بكل من الأفعال المتكررة على سبيل الوجوب نظرا إلى وجوب الاحتياط في مثله بعد اليقين بالاشتغال فلا وجه للقول بعدم وجوب ذلك بناء على القول بنفي وجوب المقدمة مطلقا كيف وليس الحال في ذلك إلا كغيره من الاحتياط الواجب كوجوب الإتيان بالأجزاء المشكوكة على القول بكون أسامي العبادات موضوعة للصحيحة فإن وجوب الإتيان بها إنما هو من جهة تحصيل العلم بالفراغ بعد اليقين بالاشتغال وقد يقال بأن وجوبها من باب الاحتياط غير الوجوب من باب المقدمة وذلك لاستصحاب بقاء الاشتغال قبل حصول التكرار أو الإتيان بالجزء المشكوك فيحكم بالوجوب من تلك الجهة لا بمجرد كونها مقدمة للعلم وفيه أن ذلك إنما يجري بالنسبة إلى الإتيان بالأجزاء المشكوكة وأما في المقام فلا يصح ذلك إذ لا وجه حينئذ نسبة الوجوب في كل من الفعلين إلا من باب المقدمة وليس الوجه في وجوب الاحتياط حينئذ إلا من جهة توقف اليقين بالفراغ عليه فالقول بعدم وجوب التكرار على القول بعدم وجوب المقدمة مع إطباق الأصحاب ظاهرا على الوجوب من الجهة المذكورة غير متجه نعم مع الغمض عن إطباقهم عليه يمكن المناقشة فيه بناء على القول بعدم وجوب المقدمة مطلقا إلا أن اتفاقهم على الوجوب بدفع ذلك وفيه دلالة على ما ذكره المصنف من الاتفاق على وجوب المقدمة السببية إذ لا خصوصية للسبب المذكور بين أسباب الواجبات [ في المسألة المعروفة أعني الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده أو لا . ] قوله الحق أن الأمر بالشيء إلى آخره الخلاف في هذه المسألة كالمسألة المتقدمة ليس من جهة دلالة صيغة الأمر على ذلك وعدمها وإنما الكلام في قضاء ما دل على إيجاب الفعل بذلك سواء كان الدال عليه صيغة الأمر أو غيرها على وجه الحقيقة أو المجاز بل لو دل العقل على وجوب شيء جرى فيه البحث فإدراج المسألة في بحث الأوامر إنما هو من جهة مدلولها وقد أدرجها بعضهم في الأدلة العقلية كالمسألة المتقدمة من جهة كونها من جملة الملازمات الثابتة بحكم العقل قوله عن ضده الخاص إلى آخره قد يفسر مطلق الضد في المقام الشامل للخاص والعام بما ينافي الفعل المأمور به ويستحيل اجتماعه معه في الخارج فيعم ذلك ما يكون مقابلته للمأمور به من قبيل تقابل الإيجاب والسلب كما في الضد العام أو من قبيل تقابل التضاد كما في الضد الخاص وما يكون منافيا له بالذات أو بالعرض بأن لا ينفك عما ينافيه بالذات كالأمور الملازمة لأضداده فإن منافاتها للمأمور به تبعية من جهة ملازمتها لما يضاده من غير أن يكون هناك مضادة بينهما مع قطع النظر عن ذلك وهذا التعبير للضد العام لا يخلو عن ضعف فإن اندراج الأخير في محل البحث غير متجه إذ لا يزيد الحال فيها على لوازم الواجب ولوازم مقدماته بالنسبة إلى البحث السابق ولا يندرج شيء منها في عنوان المقدمة كما عرفت الحال فيها أقصى الأمر أن يثبت لها هناك وجوب بالعرض نظرا إلى وجوب ما يلازمها والظاهر أن المعنى المذكور مما لا يقبل النزاع حسبما مر بيانه والكلام في هذه المسألة نظير البحث في مقدمة الواجب من غير تفاوت